فصل: تفسير الآية رقم (158):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: لباب التأويل في معاني التنزيل المشهور بـ «تفسير الخازن» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (153- 154):

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)}
قوله عز وجل: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه} يعني وأن هذا الذي وصيتكم به وأمرتكم به في هاتين الآيتين هو صراطي وديني الذي ارتضيته لعبادي مستقيماً يعني قويماً لا اعوجاج فيه فاتبعوه ويعني فاعملوا به. وقيل: إن الله تعالى لما بين في الآيتين المتقدمين ما وصى به مفصلاً أجمله في هذه الآية إجمالاً يقتضي دخول جميع ما تقدم ذكره فيه ويدخل فيه أيضاً جميع أحكام الشريعة وكل ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام هو المنهج القويم والصراط المستقيم والدين الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين وأمرهم باتباع جملته وتفصيله {ولا تتبعوا السبل} يعني الطرق المختلفة والأهواء المضلة والبدع الرديئة وقيل السبل المختلفة مثل: اليهود والنصرانية وسائر الملل والأديان المخالفة لدين الإسلام {فتفرق بكم عن سبيله} يعني فتميل بكم هذه الطرق المختلفة المضلة عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده، روى البغوي بسنده عن ابن مسعود قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه وقرأ وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل الآية: {ذلكم وصاكم به} يعني باتباع دينه وصراطه الذي لا اعوجاج فيه {لعلكم تتقون} يعني الطرق المختلفة والسبل المضلة. قال ابن عباس: هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء وهن من محرمات على بني آدم كلهم وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار. وعن ابن مسعود قال: من سرَّه أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد صلى الله عليه وسلم فليقرأ هؤلاء الآيات {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} الآيات- إلى قوله- {لعلكم تتقون} أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب.
قوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب} يعني التوراة.
فإن قلت إتيان موسى الكتاب كان قبل نزول القرآن وحرف ثم للتعقيب فما معنى ذلك؟ قلت دخلت ثم لتأخير الخير لا لتأخير النزول والمعنى {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} وهو كذا وكذا إلى قوله تعالى لعلكم تتقون ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب وقيل إن المحرمات المذكورة في قوله تعالى: {قل تعالوا اتلُ ما حرم ربكم عليكم} محرمات على جميع الأمم وجميع الشرائع فتقدير الكلام: ذلك وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً ثم بعد ذلك آتينا موسى الكتاب يعني بعد إيجاب هذه المحرمات وقيل معناه {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} ثم قال بعد ذلك يا محمد إنا آتينا موسى الكتاب فحذف لفظة قل لدلالة الكلام عليها.
وقوله تعالى: {تماماً على الذي أحسن} اختلف أهل التفسير فيه فقيل معناه تماماً على المحسنين من قومه فيكون الذي بمعنى أي تماماً على من أحسن من قومه لأنه كان منهم محسن ومسيء وعلى قراءة ابن مسعود تماماً على الذين أحسنوا، وقيل: معناه تماماً على كل من أحسن أي أتممنا فضيلة موسى على المحسنين وهم الأنبياء والمؤمنون أي أتممنا فضله عليهم بالكتاب، وقيل: الذي أحسن هو موسى فيكون الذي بمعنى ما أي على ما أحسن وتقديره وآتينا موسى الكتاب إتماماً للنعمة عليه لإحسانه في الطاعة والعبادة وتبليغ الرسالة وأداء الأمر. وقيل الإحسان بمعنى العلم وتقديره آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والحكمة زيادة له على ذلك وقيل معناه تماماً مني على إحساني إلى موسى {وتفصيلاً لكل شيء} يعني: وفيه بيان لكل شيء يحتاج إليه من شرائع الدين وأحكامه {وهدى} يعني: وفيه هدى من الضلالة {ورحمة} يعني: إنزاله عليهم رحمة مني عليهم {لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون} قل ابن عباس: لكي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.

.تفسير الآيات (155- 157):

{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)}
قوله عز وجل: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} يعني: القرآن لأنه كثير الخير والنفع والبركة ولا يتطرق إليه نسخ {فاتبعوه} يعني: فاعملوا بما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام {واتقوا} يعني مخالفته {لعلكم ترحمون} يعني: ليكن الغرض بالتقوى رحمة الله وقيل معناه لكي ترحموا على جزاء التقوى {أن تقولوا} يعني لئلا تقولوا وقيل معناه كراهية أن تقولوا يعني أنزلنا إليكم الكتاب كراهية أن تقولوا {إنما أنزل الكتاب} وقيل: يجوز أن تكون أن متعلقة بما قبلها فيكون المعنى واتقوا أن تقولوا وهذا خطاب لأهل مكة والمعنى واتقوا يا أهل مكة أن تقولوا إنما أنزل الكتاب والكتاب اسم جنس لأن المراد به التوراة والإنجيل {على طائفتين من قبلنا} يعني اليهود والنصارى {وإن كنا} أي: وقد كنا وقيل وإنه كنا {عن دراستهم} يعني قراءتهم {لغافلين} يعني: لا علم لنا بما فيها لأنها ليست بلغتنا. والمراد بهذه الآية إثبات الحجة على أهل مكة وقطع عذرهم بإنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بلغتهم والمعنى: وأنزلنا القرآن بلغتهم لئلا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا بلسانهم ولغتهم فلم نعرف ما فيهما فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم بلغتهم {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} وذلك أن جماعة من الكفار قالوا لو أنزل علينا ما أنزله على اليهود والنصارى لكنّا خيراً منهم وأهدى وإنما قالوا ذلك لاعتمادهم على صحة عقولهم وجودة فطنهم وذهنهم قال الله عز وجل: {فقد جاءكم بينة من ربكم} وهو رحمة ونعمة أنعم الله بها عليكم {فمن أظلم} أي لا أحد أظلم أو أكفر {ممن كذب بآيات الله وصدف عنها} يعني وأعرض عنها {سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب} يعني أسوأ العذاب وأشده {بما كانوا يصدفون} أي ذلك العذاب جزاؤهم بسبب إعراضهم وتكذيبهم بآيات الله.

.تفسير الآية رقم (158):

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)}
قوله تعالى: {هل ينظرون} يعني: هل ينتظر هؤلاء بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن وصدهم عن آيات الله وهو استفهام معناه النفي وتقديره الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا إذا جاءتهم إحدى هذه الأمور الثلاث فإذا جاءتهم إحداها آمنوا وذلك حين لا ينفعهم إيمانهم {إلا أن تأتيهم الملائكة} يعني: لقبض أرواحهم وقيل أن تأتيهم بالعذاب {أو يأتي ربك} يعني: للحكم وفصل القضاء بين الخلق يوم القيمة وقد تقدم الكلام في معنى الآية في سورة البقرة عند قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} بما فيه كفاية وإن المجيء والذهاب على الله لمحال فيجب إمرارها بلا تكييف {أو يأتي بعض آيات ربك} قال جمهور المفسرين: هو طلوع الشمس من مغربها، ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض» أخرجه مسلم. عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {أو يأتي بعض آيات ربك} قال: «طلوع الشمس من مغربها» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب.
(م) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه» عن صفوان بن عسال المراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «باب من قبل المغرب مسيرة عرضه أو قال يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين سنة خلقه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض مفتوحاً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
(ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من عليها» وفي رواية «فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً».
(م) عن حذيفة بن أسد الغفاري قال اطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذكرون قلنا الساعة فقال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر: الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم وثلاث خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تطرد الناس إلى محشرهم».
(م) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال قبل ست: طلوع الشمس من مغربها والدخان والدجال والدابة وخويصة أحدكم وأمر العامة».
(م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً» وروى الطبري بسنده عن عبد الله بن مسعود في تفسير هذه الآية قال: «تصبحون والشمس والقمر من ها هنا من قبل المغرب كالبعيرين القرينين» زاد في رواية عنه: «فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً» وبسنده عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس قالوا الله ورسوله أعلم قال إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي من حيث جئتِ فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي فارجعي من حيث جئت فتصبح طالعة من مطلعها لا تنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي فتخر ساجدة في مسقترها تحت العرش فيقال لها اطلعي من مغربك فتصبح طالعة من مغربها». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون أي يوم ذلك أقالوا: الله ورسوله أعلم. قال ذلك يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً» وبسنده عن أبي ذر قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم حمار فنظر إلى الشمس حين غربت فقال: «إنها تغرب في عين حمئة تنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش حتى يأذن لها فإذا أراد أن يطلعها من مغربها حبسها فتقول يا رب إن مسيري بعيد فيقول لها اطلعي من حيث غربت فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل» وروي بسنده عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية من العشيات فقال لهم: «عباد الله توبوا إلى الله قبل أن يأتيكم بعذاب لإنكم توشكون أن تروا الشمس من قبل المغرب فإذا فعلت حبست التوبة وطوي إلى العمل فقال الناس: هل لذلك من آية يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن آية تلك الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون له ثم يقضون صلاتهم والليل لم ينقص ثم يأتون مضاجعهم فينامون حتى إذا استيقظوا والليل مكانه فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم فإذا أصبحوا فطال عليهم رأت أعينهم طلوع الشمس فبينما هم ينظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب فإذا فعلت ذلك لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل» قال ابن عباس: لا ينفع مشركاً إيمانه عند الآيات وينفع أهل الإيمان عند الآيات إن كانوا اكتسبوا خيراً قبل ذلك. وقال ابن الجوزي قيل إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها أن الملحدة المنجمين زعموا أن ذلك لا يكون فيريهم الله قدرته فيطلعها من المغرب كما أطلعها من المشرق فيتحقق عجزهم وقيل بل ذلك بعض الآيات الثلاثة: الدابة ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها. يروى عن ابن مسعود أنه قال: التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ما لم تخرج إحدى ثلاث: الدابة وطلوع الشمس من مغربها أو يأجوج ومأجوج. ويروى عن عائشة قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت التوبة وحبست الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال. ويروى عن أبي هريرة في قوله تعالى أو يأتي بعض الآيات ربك قال هي مجموع الآيات الثلاث: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ورواه مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً طلوع الشمس من مغربها والدخال ودابة الأرض» وأصح الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طلوع الشمس من مغربها وقوله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل} يعني لا ينفع من كان مشركاً إيمانه ولا تقبل توبة فاسق عند ظهور هذه الآية العظيمة التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة {أو كسبت في إيمانها خيراً} يعني أو عملت قبل ظهور هذه الآية خيراً من عمل صالح وتصديق. قال الضحاك: من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه قبِل ظهور هذه الآية خيراً من عمل صالح وتصديق. قال الضحاك: من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه قبِل الله منه العمل الصالح بعد نزول الآية كما قبل منه قبل ذلك فأما من آمن من شرك أو تاب من معصية عند ظهور هذه الآية فلا يقبل منه لأنها حالة اضطرار كما لو أرسل الله عذاباً على أمة فآمنوا وصدقوا فإنها لا ينفعهم إيمانهم ذلك لمعاينتهم الأهوال والشدائد التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة وقوله: {قل انتظروا} يعني ما وعدتم به من مجيء الآية ففيه وعيد وتهديد {إنا منتظرون} يعني ما وعدكم ربكم من العذاب يوم القيامة أو قبله في الدنيا. قال بعض المفسرين: وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود من المشركين والمكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الوقت والمراد بهذا أن المشركين إنما يمهلون قدر مدة الدنيا فإذا ماتوا أو ظهرت الآيات لم ينفعهم الإيمان وحلت بهم العقوبة اللازمة أبداً. وقيل إن قوله: {قل انتظروا إنا منتظرون} المراد به الكف عن قتال الكفار فتكون الآية منسوخة بآية القتال وعلى القول الأول تكون الآية محكمة.

.تفسير الآية رقم (159):

{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)}
قوله عز وجل: {إن الذين فرقوا} وقرئ فارقوا {دينهم وكانوا شيعاً} عين أحزاباً متفرقة في الصلاة ومعنى فرقوا دينهم أنهم لم يجتمعوا عليه وكانوا مختلفين فيه فمن قرأ وفرقوا دينهم يعني جعلوا دينهم وهو دين إبراهيم الحنيفية السهلة أدياناً مختلفة كاليهودية والنصرانية وعبادة الأصنام ونحو ذلك من الأديان المختلفة، ومن قرأ فارقوا دينهم قال: معناه باينوه وتركوه من المفارقة للشيء. وقيل: إن معنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد في الحقيقة وهو أن من فرق دينه فأمر ببعض وأنكر بعضاً فارق دينه في الحقيقة ثم اختلفوا في المعنى بهذه الآية، فقال الحسن: هم جميع المشركين لأن بعضهم عبد وا الأصنام وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله وبعضهم عبد وا الملائكة وقالوا إنهم بنات الله وبعضهم عبد وا الكواكب فكان هذا تفريق دينهم. وقال مجاهد: هم اليهود. وقال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك: هم اليهود والنصارى لأنهم فرقوا فكانوا فرقاً مختلفة. وقال أبو هريرة في هذه الآية هم أهل الضلالة من هذه الأمة وروى ذلك مراوعاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء وليسوا منك هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة» أسنده الطبري، فعلى هذا يكون المراد من هذه الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع المضلة. وروي عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً هم أصحاب البدع والأهواء من هذه الأمة» ذكره البغوي بغير سند عن العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل بوجهه علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودِّع فما تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليك عبد حبشي فإنه من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» أخرجه أبو داود والترمذي عن معاوية قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة» زاد في رواية: «وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال من كان على ما أنا عليه وأصحابي» أخرجه الترمذي. قال الخطابي في هذا الحديث دلالة على أن هذه الفرق غير خارجة من الملة والدين إذ جعلهم من أمته. وقوله تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلم بصاحبه، التجاري تفاعل من الجري وهو الوقوع في الأهواء الفاسدة والبدع المضلة تشبيهاً بجري الفرس والكلب. قال ابن مسعود «إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها» ورواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً.
وقوله تعالى: {لست منهم في شيء} يعني: في قتال الكفار فعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية القتال وهذا على قول من يقول إن المراد من الآية اليهود والنصارى والكفار، ومن قال: المراد من الآية أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة قال: معناه لست منهم في شيء أي أنت منهم برئ وهم منك برآء. تقول العرب إن فعلت كذا فلست منك ولست مني أي كل واحد منا برئ من صاحبه {إنما أمرهم إلى الله} يعني في الجزاء والمكافأة {ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} يعني إذا وردوا القيامة.